Sunday, October 27, 2013

التباعد السعودي - الأميركي

محور الشر الحقيقي: الولايات المتحدة الأميركية  ومن في فلكها من أوروبيون وغيرهم، الصهيونية العالمية ومن في فلكها من أصحاب النفوذ المالي والإعلامي، الوهابية العالمية ومن فيها فلكها من تنظيمات ومدارس تكفيرية وعلى عكس القناعة السائدة لدى العديد من المراقبين والمحللين، مرتبطين عضوياً بشكل لا يستطيع أي من هؤلاء الأطراف الاستمرار بدون أي من الأطراف الأخرى جميعها. النظام العالمي الجديد الذين يعملون منذ عقود لتحقيقه يقوم على هذا الارتباط الوجودي العضوي.


يستطيع هذا المحور أن يقوم ببعض التنازلات، ولا يضره أن تهتز صورته لدى الرأي العام، فأولاً وأخيراً هؤلاء مجرمين والمجرم يغتر ويتباهى كلما ساءت صورته، لذلك نجد أن لا مشكلة لديه بالتضحية بعشرات، لا بل بمئات، لا حتى بالآلاف من أبناء شعوبهم أنفسهم لتحقيق هدفهم الأكبر، وما هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلا مثال بسيط على درجة الدناءة التي يمكن أن يصل لها هذا المحور للوصول لغاياته، ألا يكفي غزو أفغانستان والعراق وتدمير البلدين منذ ذاك الوقت وحتى الآن وتشويه صورة الإسلام كمثال؟

لاحظنا مؤخراً وبعد فشل العدوان المنظم الذي قاده رؤوس محور الشر الحقيقي هذا ضد سورية ومحاولة تدميرها بكل الوسائل من الداخل ومن الخارج لدرجة أن هذا أعضاء هذا المحور لم يجدوا أي مشكلة بإظهار وجوههم الإجرامية الحقيقية وفضح ازدواجية المعايير التي ينتهجونها، لاحظنا كيف ظهر للعلن بعض التصريحات والأفعال التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها صبيانية تدل بطريقة أو بأخرى على وجود تباين وربما تباعد وتباغض بين بعض أركان محور الشر هذا ولا سيما الوهابية السعودية ونظام أوباما في الولايات المتحدة الأميركية.

هل نصدق مثلاً أن دولة تعيش في العصور الوسطى من الناحية الاجتماعية وتصل نسبة البطالة فيها لأكثر من الثلث ونسبة الفقر لأرقام مخيفة تتجاوز ثلاثة ملايين عائلة، تقمع بوحشية أي حراك داخلي أو حتى مجاور، تحزن لسقوط عميل لأميركا كحسني مبارك وتقيم الاحتفالات لسقوط عميل آخر صدام حسين، تتدخل في جارتها الجنوبية وبقية جيرانها، لم تقم بأي جهد يذكر لمساعدة الشعب الفلسطيني على مدى عقود، هكذا كيان مسمى زوراً بدولة يريد أي خير أو إصلاح أو دعم حركة إصلاحية سياسية في سورية؟



هل نصدق مثلاً أن دولة قائمة على صناعة الموت والأسلحة والمخدرات ومشهورة بالتجسس على كافة حلفائها وحتى على مواطنيها، حجم الدين العام لديها تجاوز حجم الانتاج المحلي، تطبع عملتها بدون أي رصيد وتهدد بتدمير أي دولة تنتقدها، هكذا دولة دمرت حتى الآن العشرات من دول العالم بحجة نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، قامت بتجويع الصومال والعراق وتسببت بقتل مئات الآلاف بسبب الجوع من دون أن يرف لها عين، لا بل تبجحت بأن سعر قتل نصف مليون طفل عراقي مقابل تدمير الجيش العراقي كان سعراً مقبولاً، هل نصدق سعيها الحثيث لمساعدة الشعب العربي في سورية على تحقيق الديمقراطية في بلده؟

هل نصدق أن دولة استعمارية نجا من شر احتلالها 23 دولة فقط بالعالم، التي تم احتلالها من دول استعمارية أخرى، قامت بإحلال شعب بدل شعب في فلسطين بوعد من وزير خارجيتها مقابل بعض الأموال، ساهمت بإنشاء كافة الحركات المناهضة لدولها في العالم ومنها الحركات الأكثر تشدداً بينما قامت بقمع أي تحرك سياسي هدد طريقة حكمها وملكيتها 'الدستورية' حيث تعيش العائلة الحاكمة فيها على حساب الشعب وتفرض التقشف على شعبها نفسه، هكذا دولة تريد أي خير لسورية وشعبها؟

وبعد هذا كله، يحاول الإعلام الغربي ومن يدور في فلكه من الإعلام العربي تظهير خلافات قائمة بين إحدى محاور الشر الحقيقي هذا ومحور آخر وللأسف وقع العديد من المحللين في الفخ.

كيف يمكن أن تعيش مملكة آل سعود يوماً واحداً بدون الحماية والوصاية الأميركية؟ كيف يستطيع الجيش السعودي أن يحرك أي من قطعه الحربية أو استخدام أي من أسلحته بدون موافقة أميركية وحتى بدون خبراء عسكريين أميركان يشغلون تلك الأسحلة؟ كيف يمكن أن يستخرج السعوديون نفطهم بأنفسهم وشركة أرامكو الأميركية دولة قائمة ضمن الدولة السعودية لا يستطيع السعوديون أنفسهم دخولها دون تصريح مسبق وضمن أسوارها من التحرر ما لا يحلم به أي مواطن أو مواطنة سعودية لأنفسهم؟ 

قال أحد صقور الجمهوريين والمستمر مع الديمقراطيين جيفري فيلتمان والذي رشحه نظام أوباما الديمقراطي، فلنقل فرضه على بقية الدول، ليشغل  منصب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، أنه 'لم يرَ أوقح وأسوأ من الحكومة السعودية' كما نقل عنه بعض زواره، ولدرجة أنه فتح بعض الدفاتر القديمة والتي عمرها سنوات ولكن تذكرها فجأة عندما ذكر بخلاف السعوديين مع العراق وكيف ساهموا بتدميره وإلى الآن يساهمون بتدميره دون أي مراجعة بناءً على حقد قديم، وكيف 'جن جنون السعوديين من التقارب الأميركي الإيراني'. فيلتمان هذا والذي يرتبط بأزلام السعودية في لبنان بشكل وثيق جداً، فتح الباب لما قام الإعلام بتظهيره على أنه تباعد سعودي - أميركي.

استطاع فيلتمان بحكم عمله جاسوساً أميركياً برتبة دبلوماسية في الأمم المتحدة دون أي منصب رسمي له في الإدارة الأميركية، أن يمهّد لخدعة جديدة تقوم على تلميع صورة النظام السعودي الوهابي لدى الرأي العام العربي والمسلم بعد أن افتضح دوره هذا النظام في معركته ضد الإسلام والمسلمين وخاصةً رعايته للحركات الوهابية التكفيرية التي تنشط في سورية وأكثر ضحاياها من المسلمين أنفسهم من غير الوهابيين، وحتى من الوهابيين الذين لا يتبعون بشكل مطلق للحركة الوهابية السعودية، وهو ما شهدناه من تقاتل بين بعض فصائل الإرهاب الوهابي على الأرض السورية كدولة العراق والشام الإسلاموية مثلاً مع تنظيم جبهة النصرة، أو الكره الفجائي ومحاربة تنظيم الإخوان المسلمين بعد شهور طويلة جداً من العسل.

بعد تصريحات فيلتمان خرج وزير الخارجية السعودي الأزلي ليعتذر عن قبول السعودية أكبر فرصة لخدمة قضايا الأمة ويرفض قبول كرسي غير دائم في مجلس الأمن الدولي بحجة فشل المجلس في حل المشاكل العربية وعلى رأسها فشله في التدخل العسكري لقتل المزيد من السوريين مباشرةً وتدمير سورية بشكل كامل. ثم جاء اجتماع غريب من نوعه بين رئيس الاستخبارات السعودية المدعو بندر بوش مع وسائل إعلام أجنبية ليشرح التباعد السعودي الأميركي..

لهذه الخديعة الإعلامية بمجملها عدة أهداف كبيرة جداً، فبالإضافة لمحاولة تلميع صورة آل سعود لدى المسلمين، فهناك الهدف الأكبر والمخفي وهو الاستمرار بتدمير الدولة السورية عن طريق توزيع الأدوار، فينزل القرد الأميركي من على الشجرة ويقول لشعبه أنه لا يدعم تنظيم القاعدة في سورية، إنما هي السعودية التي تدعم تنظيم القاعدة وهو يحاول الضغط عليها. وطبعاً لا يستطيع الشعب الأميركي إلا أن يكره ما تمثله السعودية بنظرهم وهو الدين الإسلامي بدلاً من كره 'الكيان السياسي الأكثر تخلفاً في العالم'، كما وصفه الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلته مع قناة الميادين.

ويستمر نظام آل سعود بمحاربة إيران لمصلحة الأميركيين والغرب واسرائيل بينما يدعي الأميركي أنه يريد التقارب مع إيران ولكن هناك لاعبين آخرين لا يستطيع إخضاعهم لمشيئته بسبب 'التباعد' بينه وبينهم، وتبدأ فصول 'الربيع الإيراني' من الحدود إلى الداخل. ويستطيع نظام آل سعود أن يحكم مصر من خلال بعض الرموز في الجيش المصري أو على الأقل توجيه الدولة المصرية لعدم إنشاء ديمقراطية حقيقية هناك تقوم على مصلحة الشعب المصري ويدعم استمرار حكم العسكر لاستعادة ما فقده محور الشر الحقيقي بسقوط مبارك بينما يتبجح الأميركي أنه ضد حكم العسكر في مصر بسبب انعدام الديمقراطية.



كما تستمر الأدوار التي يريدها الأميركي من نظام آل سعود وغيره من الأنظمة كالنظام القطري مثلاً، في العديد من الأماكن في العالم بينما يلبس السيد الأميركي القفازات. اليمن، الصومال، السودان، ليبيا، العراق، لبنان، حتى الصين وروسيا وغيرها، وعندما يصبح الكلفة السعودية أكبر من الأرباح المحققة، يتم 'تجديد' نظام الحكم السعودي بنظام مماثل ولكن من طبقة جديدة من الأمراء السعوديون، أو حسب مقتضيات الأمر. تقسيم السعودية إلى 3 دول فكرة مطروحة وبقوة لدى دوائر القرار الأميركي، ولكن لمَ التسرّع؟

الولايات المتحدة الأميركية التي تدعم بشكل مطلق الكيان الصهيوني والصهيونية العالمية، لا تستطيع التخلي عن أدواتها إلا عند انتهاء صلاحيات تلك الأدوات وعندما تصبح تكلفة تشغيلها، السياسية والإعلامية وحتى المادية، أكبر من الفوائد التي تحصل عليها منها، وبالنسبة لنظام آل سعود، فلم تنتهي صلاحيته بعد، فما زال يستطيع تصنيع الإرهابيين من خلال مدارس الوهابية التكفيرية المنتشرة في كافة أنحاء العالم الفقير، ومن ثم تصديرهم لحيث يريد الأميركي.

الانكفاء الأميركي عن منطقة الشرق الأوسط ليس معناه انتهاء المشروع، وإنما الفشل في أحد فصوله في سورية وإيجاد البدائل، والتي بعضها موجود وفاعل وهذا قائم بطبيعة الحال. الانكفاء الأميركي يشبه إلى حد كبير الانكفاء البريطاني الاستعماري، خرجوا من الباب ودخلوا من النوافذ عن طريق عملائهم الذين زرعوهم.

هل انطلت خدعة التباعد الأميركي السعودي عليك؟

No comments:

Post a Comment